الضفة الغربية و قانون الاحتلال الحربي

وبتمام هاتين المرحلتين يمكن أن يقال إن هناك سلاما عادلا ودائما في الشرق الأوسط من وجهة نظر المجتمع الدولي، وأن المجتمع الدولي قد قام بما ترتب عليه من التزامات قبل الفلسطينيين، كما يمكن اعتراف كل دولة في المنطقة بسيادة ووحدة أراضي الدول الأخرى واستقلالها السياسي وحقها في العيش بسلام. كما تصبح حدود كل دولة آمنة ومعترفا بها وحرة من التهديد أو أعمال القوة. ذلك أن أمن الحدود لا يكون بتوسعها على حساب الدول المجاورة أو الاستعداد للدفاع عنها عسكريا، لأن ذلك لا يعني سوى مزيد من الصدام والنزاع. بل باعتراف الدول المجاورة بها والتزامها بعدم الاعتداء عليها، فالأمن لا يتأتى إلا بالاعتراف المتبادل ويستتبع ذلك أيضا إقامة علاقات حسن جوار وتبادل تجاري وتعاون اقتصادي لما فيه خير المنطقة، بأسرها، علاوة على تبادل التمثيل الدبلوماسي والتعاون العلمي والثقافي.

ولما كانت المرحلة الأولى تتمثل في إعادة الحالة إلى ما كانت عليه يوم 4 حزيران 1967 فإن العلاقة في هذه المرحلة تقتصر على أطراف النزاع وهم مصر بالنسبة لقطاع غزة، وسوريا بالنسبة لهضبة الجولان، والأردن بالنسبة للضفة الغربية، حيث يترتب على القوات الإسرائيلية الانسحاب من تلك المناطق وإعادتها إلى كل من مصر وسوريا والأردن وفقا لما كان عليه الحال عشية اندلاع الحرب، وبالتالي فإنه لا دور لمنظمة التحرير الفلسطينية في هذه المرحلة، لأن المنظمة أنشأت عام 1964 للمطالبة بالحقوق الفلسطينية فيما قبل عام 1948 وليس لمعالجة آثار حرب عام 1967. لاأن ذلك ليس مسؤوليتها. فقرار 242 قاصر على أطراف النزاع لعام 1967، واستعادة الأردن للضفة الغربية وفقا لهذا القرار إن تمكن من ذلك حتى ولو ترتب عليهما إنهاء حالة الحرب بين الأردن وإسرائيل، لا يؤثر على حق المنظمة في تمثيل الفلسطينيين في المرحلة الثانية المتمثلة في تنفيذ قرارات الأمم المتحدة عامي 1947 و1948 باعتبارها ممثلا شرعيا لهم.

وفي هذا المجال يثور السؤال عن امكانية تحقيق تسوية سياسية لمشكلة الشرق الاوسط نتيجة التحركات السياسية، المكثفة في الفترة الأخيرة. ورغم أن هذا السؤال بعيد عن مجال الدراسة القانونية، إلا ان المرحلة الحالية تفرض ضرورة البحث عن إجابة له.

وقبل الإجابة على هذا السؤال يجب ملاحظة ما يلي:

أولا: أن الدولتين الأعظم، أي الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي – متفقتان على أنه لا يسمح بالمساس بكيان اسرائيل كدولة قائمة، وبينما يعلن الاتحاد السوفياتي صراحة أن دعمه للدول العربية يتوقف عند حدود استعادة الأراضي التي احتلت عام 1967، نجد الولايات المتحدة تقف بشكل كامل وعلني إلى جانب اسرائيل، وتشترط أن يتم الاعتراف بها مسبقا لإمكان بحث موضوع تخلي اسرائيل عن الأراضي التي احتلتها عام 1967 دون التزام واضح بالانسحاب الكامل من تلك الأراضي بحجة أن الحدود في بعض المناطق بحاجة إلى تعديل وخاصة في الشمال.

ثانيا: أن اسرائيل تعتمد تفسير قرار 242 بأنه ينص على الانسحاب من بعض الأراضي المحتلة وليس جميعها، في محاولة منها لطمس ما ورد في قرار التقسيم، ولجر الدول العربية إلى قصر مطالبتهم على حدود عام 1967 فقط، وقد وقعت بعض الجهات العربية في هذه المصيدة السياسية فعلا.

ثالثا: أن الجانب العربي وهو يدرك الواقع السياسي والعسكري في المنطقة، يتهرب من تحديد الحقوق الفلسطينية، التي يطالب بها بشكل واضح ودقيق، بل يقتصر على ترداد شعارات عامة تتمثل في المطالبة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني دون بيان ما هي هذه الحقوق والأسس التي يتم المطالبة بتلك الحقوق بناء عليها. وهذا الموقف يجعله في موقف لا يستطيع فيه إقناع أشخاص المجتمع الدولي غير الأطراف في الصراع بسلامة الموقف العربي ويترك مجالا خصبا لإسرائيل في إقناع تلك الدول بأن هدف العرب هو تدمير إسرائيل، وهذا الهدف كما هو واضح مرفوض من المجتمع الدولي في الوقت الحاضر من جهة، ومستحيل التحقيق في ظل التمزق العربي من جهة أخرى.

رابعا: أن المبادرات السياسية الدولية جميعها سواء الأوروبية أو الأمريكية أو العربية أو حتى الصادرة عن الأمم المتحدة، تتفق في ضرورة حل النزاع العربي الإسرائيلي بالطرق السلمية، ولكنها تختلف في الطريق الذي يجب سلوكه للوصول إلى هذا الحل، وهل هو عن طريق التفاوض المباشر أو عن طريق مؤتمر دولي سواء بإشراف الامم المتحدة، أو الدولتين الأعظم، علما بأن جوهر المشكلة هو في التزام اسرائيل بإعادة الحق الفلسطيني، ولا عبرة للأسلوب الذي يتم به ذلك، فالمطلوب إذن هو التزام إسرائيلي وضمانة دولية بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية، على النحو الذي بيناه، وإذا تم هذا فلا عبرة ولا أهمية لأسلوب تنفيذ هذا الالتزام.

خامسا: أن ما يقال عن أن التفوق العسكري الاسرائيلي والضعف والتمزق العربي، يدفع اسرائيل إلى التعنت وعدم التنازل عن أي شبر من الأرض حتى التي احتلت عام 1967، خاصة وأن أطماع اسرائيل التوسعية لا تخفى على أحد، وأن الولايات المتحدة لا تستطيع إلزام اسرائيل بالانسحاب لما للوبي الصهيوني من تأثير على السياسة الأمريكية والانتخابات الأمريكية. أن كل هذه الأقوال هي جزء من العوامل النفسية التي تحاول اسرائيل بواسطتها إضعاف الروح المعنوية العربية ودفعها إلى اليأس والقبول بالشروط التي تفرضها إسرائيل. ولكن نظرة إلى الواقع بتمعن تبين عكس ذلك تماما:

فمن ناحية، ومع التسليم بتفوق اسرائيل في مجال الأسلحة والتكنولوجيا، وربما التدريب إلا أن هذا التفوق أثبت عدم قدرته على حسم الموقف في لبنان رغم محدودية المعدات وبساطتها التي استعملتها المقاومة الفلسطينية، واللبنانية، ذلك أن فعالية هذا التقدم تبدوا مؤثرة وواضحة في الحرب عن بعد، فإذا ما تم التداخل والتلاحم بين القوات المهاجمة والمقاومة تضاءل تأثير الوسائل المتقدمة أمام الإرادة الصلبة للمقاومة والاستعداد للتضحية. والمثال على ذلك كما قلنا المقاومة اللبنانية التي عجز حتى الأسطول السادس الأمريكي عن التعامل معها.

ومن ناحية أخرى فإن هذا التقدم العلمي والتقني يعتمد كليا على الإمداد الأمريكي1، وتوقف هذا الإمداد عن تعويض الخسائر أو تقديم الذخائر، يفقد القوة الاسرائيلية الرئيسية قيمتها. لذا فإن عامل الحسم ليس هو القرار الاسرائيلي بل القرار الأمريكي. ومن الثابت أن اسرائيل لم تقدم على أي عملية عسكرية إلا بعد الحصول على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة. ذلك أن اسرائيل هي أداة أمريكية للمحافظة على مصالح الرأسمالية في الشرق الأوسط وليس العكس. أما ما يقال عن ثقل اللوبي الصهيوني في الانتخابات الأمريكية، وبالتالي في صنع القرار الأمريكي، فقد تجلى واضحا في الانتخابات الأمريكية الأخيرة حيث انصبت أصوات اليهود للمرشح المنافس ومع ذلك فاز ريغن بالانتخابات، ورغم علمه بذلك ووجوده في فترة الرئاسة الثانية والأخيرة له، إلا أننا نجده يقف إلى جانب اسرائيل أكثر من أي رئيس أمريكي سابق.

بالإضافة إلى أن التقدم التقني ليس هو العامل الوحيد في تقدير ميزان القوي، بل إن للعمق الاستراتيجي والعامل البشري أثر كبير في ذلك. ومن الملاحظ عملا أن اسرائيل تعتمد في حروبها على عامل المباغتة والسرعة والحرب الخاطفة ولا تقوى على الحرب طويلة المدى، وذلك واضح من انهيار الاقتصاد الإسرائيلي بشكل كبير وشبه تام على إثر الحرب اللبنانية رغم اقتصارها على مساحة صغيرة من الأرض ومجابهتها بمعدات عسكرية بسيطة، في ذات الوقت الذي نجد فيه الحرب العراقية الإيرانية تستمر خمس سنوات وتشمل مساحات ووسائل قتالية متعددة، والعراق جزء من الوطن العربي فقط وهو يلقى الدعم من بعض الأنظمة العربية بينما يجابه عداء بعضها الآخر. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: لو أن إمكانيات القتال التي استعملت في الحرب العراقية الإيرانية توفرت في فلسطين، هل كان باستطاعة إسرائيل الصمود مثل هذه المدة؟ وما دامت القوة وإمكانية الاستمرار في الحرب متوفرة بهذا الشكل، لماذا لم توجه إلى القضية التي يعتبرها العرب قضيتهم الأولى – أي إلى فلسطين ؟…

فاذا ذهبنا أبعد من ذلك وافترضنا أن العالم العربي لم يصل فعلا إلى ما وصلت إليه اسرائيل من قوة في التسليح والتقدم التقني وأنه لا يقوي على مواجهتها عسكريا، وتخيلنا أن إسرائيل قد احتلت العواصم العربية في حرب قادمة ودخلت القاهرة ودمشق وبغداد وعمان وبيروت مثلا، فإن انتشار قواتها في هذه الحالة على تلك المساحة الشاسعة من الأرض يعني أن كل قرية أو حي من مدينة عربية سيكون نصيبها جنديا واحدا، بمعنى أن العامل البشري الاسرائيلي سيذوب في وسط الكثافة السكانية العربية، وعامل الضعف هذا هو ما تعمل إسرائیل علی تجنبه، وتحرص الأنظمة العربية أيضا على عدم جر إسرائيل إليه بل تجنيبها إياه.

فالمسألة إذن ليست تفوقا عسكريا اسرائيليا في مواجهة ضعف عسكري عربي، بل هي مسألة غياب الإرادة العربية والقرار العربي لا أكثر. بل إننا نلاحظ أنه حتى المظاهر السلبية التي اتخذتها الدول العربية، للضغط على اسرائيل كالمقاطعة العربية للشركات التي تتعامل مع اسرائيل ليست سوى شكليات لا أثر لها سوى إنفاق الأموال الطائلة على المكاتب والموظفين فيها. فرغم وجود جهاز كبير في مكاتب المقاطعة، نجد أن أكثر الشركات الأمريكية والأوروبية مبيعا لمنتجاتها في الدول العربية تسوق منتجاتها في اسرائيل أيضا، ولا يقتصر الحظر إلا على بعض الشركات اليابانية وبعض الشركات الأوروبية الصغيرة. كما نجد العلاقات المتميزة لإسرائيل بالسوق الأوروبية المشتركة، وتسويق المنتجات الاسرائيلية في العالم العربي عن طريق وسطاء أوروبيين وبمجرد طباعة أن هذه المنتجات صنعت في هذا البلد الأوروبي أو ذاك. في حين أن إحكام تطبيق المقاطعة العربية الاقتصادية، بمعنى وقف التعامل مع أي شركة تبيع أو تسمح بتسويق ووصول منتجاتها لإسرائيل، وأي شركة تستورد وتشتري منتجات إسرائيلية، مهما كانت جنسيتها أو منتجاتها، كفيل وحده بالوصول إلى قبول اسرائيل بقرارات الأمم المتحدة كاملة وتنفيذها.

سادسا: إن الحقائق التاريخية تشير بوضوح إلى أن العامل الوحيد الكفيل بتذويب اسرائيل ككيان غريب في المنطقة هو قيام وحدة عربية متماسكة وقوية، والمثل الواضح لذلك هو الحروب الصليبية التي تتشابه في معطياتها وأوضاع العرب خلالها بما هي عليه الحال في الوقت الحاضر. وإذا كان الاتحاد السوفياتي قد وصل بإقامة دولته التي تشمل جمهوريات من أجناس وشعوبا مختلفة، لأن يكون إحدى الدولتين الأعظم، فإن من باب أولى أن تسعى الأنظمة العربية ومواطني الدول العربية الذين ينتمون إلى شعب واحد، إلى إقامة دولة اتحادية واحدة تتمكن بما فيها من عوامل القوة الاقتصادية والبشرية من فرض احترامها على العالم. كما أن المشكلة الفلسطينية يجب أن لا تقتصر علی سكان فلسطين التي هي قلب العالم العربي، بل هي مشكلة كل العرب، ويجب أن يشترك العرب جميعا في الوصول إلى حل لها. أما ما انجرف إليه بعض الفلسطينيين من المناداة بأن القضية الفلسطينية خاصة بالفلسطينيين وحدهم، ولهم دون غيرهم حق اتخاذ القرار بما يتعلق بهذه القضية، فهو منطق يهدف بقصد أو بدون قصد إلى تكريس النظرة الإقليمية الضيقة، ويجرد القضية من عوامل الضغط والفاعلية التي تكفل لها الحل العادل والصحيح، خاصة وأن مسؤولية ما حدث عام 1948 وكذلك عام 1967 هي مسؤولية عربية عامة وليست مسؤولية فلسطينية.

على ضوء هذه الملاحظات نعود للإجابة على السؤال حول إمكانية تحقيق تسوية سياسية لمشكلة الشرق الاوسط.

ونبادر إلى القول إن المعطيات الحاضرة لا تشير إلى إمكانية تحقيق الحل الشامل الذي بيناه سابقا، وكل ما يمكن أن ينتج عن التحركات السياسية التي تحاول الاستفادة من حرب لبنان واستغلال الضعف والتشتت الفلسطيني؛ وعدم وجود قوة تقف في وجه أي تسوية تريد الولايات المتحدة فرضها في المنطقة، وتفريغ النفوس من مشاعر اليأس الذي يدفع إلى التطرف والذي ظهرت بوادره في الحركات الدينية المتطرفة الانتحارية في لبنان ويمكن إذا بقي الوضع على ما هو عليه أن تنتقل إلى أماكن أخرى في المنطقة، بالإضافة الى التدهور الاقتصادي الحاد في اسرائيل والذي لا يمكن علاجه دون انفراج سياسي يخفف الأعباء الأمنية والعسكرية عنها، كل ذلك يدفع بالولايات المتحدة إلى اقناع وربما الضغط على اسرائيل لتنفيذ المرحلة الأولى فقط من الحل وهي إعادة الضفة الغربية إلى الإدارة الأردنية مع تجريدها من السلاح وإنهاء حالة الحرب مع الأردن، مع ضمان أن تكون الضفة الغربية جسرا اقتصاديا بين اسرائيل والعالم العربي. وهذه الخطوة إن تمت؛ ويبدو أن الأمور تسير نحو تحقيقها بشكل أو آخر، فإنها ستبقى إن لم تتبعها خطوات أخرى جادة نحو الحل العادل الذي بيناه، مجرد هدنة أخرى قد تطول وقد تقصر، يلتقط كل طرف فيها أنفاسه ويعيد حساباته ويستعد للمرحلة المقبلة.

——————————

1 امريكا واسرائيل عام 1956 – حرب السويس ورد بن جوريون … ومن الجدير بالذكر انه بعد احتلال اسرائيل لسيناء عام 1956 واعلان حكومتها عزمها على عدم الانسحاب منها، وكانت اسرائيل وقتها الحليف الثالث لفرنسا وبريطانيا وتعتمد كليا عليهما في التسليح والدعم الاقتصادي، ارسل الرئيس الأمريكي بوساطة السفير الأمريكي في تل ابيب انذارا شفويا الى بن جوريون رئيس الحكومة الاسرائيلية وقتها، مضمونه انه اذا لم تنسحب اسرائيل من سيناء فان الولايات المتحدة ستفكر في عقوبات اقتصادية على اسرائيل . وكان جواب بن جوريون على ذلك أن طلب من السفير نقل تحياته الى سيادة الرئيس وابلاغه أنه لا حاجة لارسال مثل هذا الانذار او التهديد، بل تكفي اشارة من اصبعه لتنسحب القوات الإسرائيلية في الحال. فكيف يكون الحال واسرائيل قد اصبحت تعتمد كليا على الولايات المتحدة في اسباب بقائها وقوتها؟