الضفة الغربية و قانون الاحتلال الحربي

تقديم

كانت هذه الدراسة تهدف في البداية إلى بيان مدى صلاحية سلطات الاحتلال في التشريع والتدخل في القضاء في المناطق المحتلة، وكان من الطبيعي ان نمهد لذلك بعرض موجز لأحكام قانون الاحتلال الحربي، باعتبار الضفة الغربية منطقة محتلة تخضع لهذه القوانين.

ولكن خلال دراستنا تبين لنا أن الكتاب الإسرائيليين وبعض فقهاء القانون الدولي المناصرين لهم، يثيرون مسألة في غاية الأهمية والخطورة، وهي عدم اعتبار الضفة الغربية منطقة محتلة وبالتالي عدم خضوعها لقانون الاحتلال الحربي، إما بالادعاء بوجود فراغ في السيادة في هذه المنطقة يتيح لمن يسيطر عليها اكتساب حق السيادة عليها، وإما بزعم عدم شرعية (ضم) الأردن لها لبسط سيطرته عليها نتيجة ممارسته حربا غير مشروعة ضد الدولة اليهودية التي قررت الأمم المتحدة إنشاءها عام 1947 بموجب قرار التقسيم.. إلى غير ذلك من الأسباب التي يسهبون في سردها.

ولم نجد من الفقهاء والكتاب العرب من تصدى لهذه الادعاءات بالتحليل وبيان عدم صحتها. بل اكتفوا بالقول بعدم شرعية وعد بلفور وصك الانتداب، وقرار التقسيم، أو وجود تناقض فيها مما أدى إلى ضعف في الموقف العربي من هذه الناحية، بحيث يمكن أن يترك ذلك أثرا لدى القارئ المحايد الذي لا يلم بتفصيلات النزاع بان حجج هؤلاء الكتاب منطقية ومقبولة.

لذلك كان لا بد قبل أن نبين أحكام قانون الاحتلال الحربي التي تحدد صلاحيات الاحتلال بالنسبة للتشريع والقضاء في المناطق المحتلة ومنها الضفة أن نؤكد الحقيقة الجوهرية، التي تعتبر منطلقا للدراسة، وهي أن الضفة الغربية هي منطقة محتلة فعلا وأنها تخضع بالتالي لقانون الاحتلال الحربي، وذلك باستعراض الحجج التي أوردها الكتاب الإسرائيليون وتحليلها والرد عليها وفقا لمبادئ القانون الدولي وقواعد التفسير القانوني مع التنبيه إلى أننا لم نتعرض لشرعية أو عدم شرعية كل من وعد بلفور وصك الانتداب وقرار التقسيم، بل اقتصرت دراستنا على تحليل كل منها كواقعة مادية موجودة فعلا وما ترتب عليها من أثر وما يمكن أن تؤدي إليه من نتائج. ذلك أن هؤلاء الكتاب يحاولون تفسير هذه الوقائع المادية بما يحقق أهداف الحركة الصهيونية، فيعطونها مضامين ليست واردة فيها. ولذلك كان من الواجب بيان النتائج الحقيقة التي يمكن ان تؤدي إليها هذه الوقائع بصرف النظر عن شرعيتها حتى نبين عدم صحة النتائج التي يزعمها الإسرائيليون.

فهذه الدراسة وبعد تأكيد ما تهدف إليه تعتبر مقدمة لا بد منها لسلسة من الدراسات التي ستبدأ بالتشريع والقضاء في المناطق المحتلة ثم نتناول الإدارة والاقتصاد والحريات العامة .. وغير ذلك من الموضوعات التي يثيرها وجود الاحتلال.