الفصل الثاني – إجراءات إصدار الحكم

المبحث الثاني

المداولة

      تنص المادة 165/2 على أنه ” للمحكمة  النطق بالحكم فور اختتام المحاكمة أو في جلسة تالية “. وتنص المادة 167 على أنه ” تكون المداولة في الأحكام سرية بين القضاة الذين استمعوا إلى المرافعة الختامية وإلا كان الحكم باطلا ” .

      ويتبين من هذين النصين أنه باختتام المحاكمة تصدر المحكمة حكمها ، فإذا كانت مكونة من قاض واحد ؛ كما هو الحال في محاكم الصلح ، جاز له أن يصدر حكمه فورا بعد إقفال باب المرافعة ، أو رفع الجلسة مؤقتا ثم إعادتها والنطق بالحكم ، أو تأجيل النطق بالحكم إلى جلسة أخرى إذا كانت القضية في حاجة إلى فحص ودراسة .

      أما إذا كانت المحكمة مشكلة من قضاة متعددين ، كما هو الحال في محاكم البداية والاستئناف ، وجب اتفاقهم على منطوق الحكم وأسبابه ، لذلك فإنهم يتداولون في القضية . فالمداولة هي المشاورة بين أعضاء المحكمة في منطوق الحكم وأسبابه بعد إقفال باب المرافعة وقبل النطق به ، (1) واشتراكهم في تكييف وقائع النزاع وتطبيق حكم القانون عليه .

      وقد تتم المداولة أثناء انعقاد الجلسة فيتشاور أعضاء المحكمة همسا فيما بينهم ويصدرون الحكم ، أو ترفع الجلسة مؤقتا ليخلو القضاة إلى أنفسهم ثم يصدر الحكم في الجلسة ذاتها ، وقد تؤجل المداولة وينطق بالحكم في جلسة أخرى إذا قدرت المحكمة أن التفكير في الحكم يحتاج لبعض الوقت ، وعندئذ تتم المداولة في أي يوم قبل النطق بالحكم . والعبرة بصدور الحكم بعد المداولة ، ولا يعيبه خلوه من بيان أنه صدر بعد المداولة، فالأصل في الإجراءات أنها روعيت صحيحة ، وتوقيع الهيئة على مسودة الحكم الذي أصدرته هو عنوان إجراء المداولة ، وعلى من يدعي خلاف ذلك إقامة الدليل. والعبرة بسلامة الحكم هي بالهيئة التي أصدرته لا بالهيئة التي نطقت به ، فإذا شارك في هيئة النطق بالحكم قاض قام به سبب من أسباب الرد فإن ذلك لا يشكل سببا للطعن في الحكم ما دام معدا من هيئة لا مطعن عليها .

ولا تجوز المداولة بالمراسلة أو الاتصال الهاتفي أو الإنترنت ، بل يتعين أن يجتمع أعضاء هيئة المحكمة في مكان واحد ويتداولون في مواجهة بعضهم وبحضورهم جميعا ، ويناقشون الأدلة الواقعية والأسانيد القانونية بعد أن يحيطوا بالدعوى وما قدم فيها من دفاع ودفوع ومستندات .

وتتم المداولة عملا بإحدى طريقتين :

 الطريقة الأولى ، بأن يكلف رئيس الهيئة أحد قضاتها بدراسة ملف الدعوى وتلخيصه وكتابة مسودة الحكم ، ثم يعرض على زملائه في الهيئة وقائع النزاع والمراحل التي مر بها مما له تأثير في الحكم والرأي الذي خلص إليه للحكم في الدعوى، وتجري مناقشة كل ذلك والاطلاع على المستندات المقدمة لاستخلاص الأدلة منها، وإجراء ما يلزم من تعديلات على المسودة إن كان لها محل ، ويتم ذلك بإعداد مسودة جديدة أو بشطب العبارات الواردة في المسودة وإحلال غيرها محلها ومن ثم التوقيع عليها ، وحينئذ لا يعتد بالعبارات المشطوبة وتعتبر كأن لم تكن ، ويمكن إجراء التعديل بخط العضو الذي حرر المسودة أو بخط رئيس الهيئة أو عضو آخر باعتبارهم جميعا مشاركين في المداولة . ويجوز لرئيس الهيئة مع الإبقاء على المسودة وقبل توقيعه عليها إدخال التعديلات التي رآها من حيث الصياغة أو بما يتفق مع ما أسفرت عنه المداولة.

 أما الطريقة الثانية ، فهي أن يطلع كل قاض في الهيئة على ملف الدعوى ويدون ملاحظاته عليه، وبعد ذلك تقوم الهيئة باستعراض الآراء والملاحظات التي توصل إليها أعضاء الهيئة ومناقشتها للوصول إلى رأي موحد فيها ، وبعد ذلك يكلف أحد قضاتها بكتابة مسودة الحكم وفق ما توصلت له الهيئة وعرضها عليها لمراجعتها ومن ثم التوقيع عليها . والطريقة الأولى هي الأكثر اتباعا في العمل لأنها تحقق سرعة الفصل في القضايا أكثر من الطريقة الثانية.

      وتحصل المداولة سرا ضمانا لحرية رأي القضاة ، ولا يجوز لأي من القضاة أن يبوح بسر المداولة وإلا كان عرضة للمحاكمة التأديبية . وتقتصر المداولة على القضاة الذين استمعوا إلى المرافعات الختامية ، فلا يجوز أن يشترك فيها غيرهم ولو كان من كبار رجال القانون بهدف الاستئناس برأيه ، حتى لا يؤثر رأيه على اتجاه هيئة المحكمة . وذلك لأن القاضي الذي يسمع المرافعة هو وحده الذي يدرك وقائع القضية وما يحيط بها من اعتبارات قانونية ، ويستحيل على غيره تكوين رأي سليم بخصوصها(1).

                ويجب أن تحصل المداولة بين جميع القضاة الذين استمعوا إلى المرافعة الختامية، لأن المداولة تهدف إلى المشاورة والمناقشة لجوانب القضية المطروحة ومعطياتها حتى يتم تكوين صورة واضحة عن جميع عناصرها وخفاياها ، وكثيرا ما تسفر هذه المناقشة عن عدول بعض القضاة عن اتجاه رأي تولد في أذهانهم قبل حصولها . لذلك لا يتحقق الغرض من المداولة إذا حصلت بين بعض القضاة دون بعضهم الآخر ، ولو كان هذا البعض هو الأغلبية الكافية لإصدار الحكم .

      ويوجب القانون أن يشترك في المداولة القضاة الذين استمعوا إلى المرافعة الختامية ، فلا يجوز أن يشترك فيها قاض لم يستمع إلى المرافعة ، لذلك إذا تبدلت هيئة المحكمة فإنه يلزم وفق المادة 170 أن تقوم الهيئة الجديدة بفتح باب المرافعة من جديد وسماع المرافعات الختامية للخصوم ، ثم تصدر حكمها بعد ذلك . وحكمة ذلك واضحة ، فالحكم خلاصة للرأي الذي كونه القضاة من سماعهم المرافعة ، فلا يتأتى أن يشترك في إصداره إلا من سمع المرافعة .

          وقد جرى قضاء محكمة النقض على تقرير بطلان الحكم المطعون فيه نظرا لتبدل الهيئة الحاكمة بعد حجز القضية للحكم وإصدار الهيئة الجديدة حكمها دون استماع االمرافعات الختامية من جديد ، ولو كان من تبدل في الهيئة قاض واحد ، دون التفات إلى ما إذا كانت الغاية من سماع المرافعة قد تحققت أم لا .(1) غير أننا نرى أن نص المادة 167 الذي استندت إليه المحكمة في أحكامها تتعلق ببطلان الحكم في حال عدم إجراء المداولة أو عدم سرية المداولة لأن ذلك يتعلق بالنظام العام وتملك المحكمة إثارته من تلقاء نفسها.

أما بخصوص استماع الهيئة الجديدة للمرافعات الختامية فقد أفرد لها المشرع نص المادة170 من القانون التي تقضي بأنه “إذا حجزت القضية للحكم وتبدلت هيئة المحكمة تقوم الهيئة الجديدة بسماع المرافعات الختامية للخصوم ثم تصدر حكمها”. ولم يقررالمشرع البطلان في حالة مخالفة هذا النص ، لذلك فإن بطلان أو عدم بطلان الحكم في هذه الحالة يتوقف على ما إذا تحققت الغاية من سماع المرافعات الختامية أم لا عملا بالمادة 23/1 من القانون . ولا خلاف في أن الغاية من المرافعة الختامية هي إطلاع هيئة المحكمة على الموقف النهائي لكل خصم من الوقائع والأدلة والدفوع وأوجه الدفاع والطلبات الختامية التي يعرضها في مرافعته حتى تكون على علم تام بمجريات الدعوى ومركز الخصوم فيها حين إصدار الحكم .

          وباستعراض نصوص قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية نجد أنه لا يوجب أن تكون المرافعات الختامية شفوية ، والمستقر في النظام القضائي أن المرافعات الختامية قد تكون شفوية أمام هيئة المحكمة فتصل إلى سمعها أثناء انعقاد الجلسة وقبل إقفال باب المرافعة ، وقد تكون مكتوبة ، بتبادل المذكرات في الجلسة دون إفصاح عما تتضمنه ، وحينئذ لا تسمع المحكمة مرافعة ولا تقف على ما تتضمنه إلا بعد قفل باب المرافعة وعند بدء المداولة.

  ونظرا لتزايد أعداد القضايا لدى المحاكم ، فقد جرى العرف القضائي على أن تقدم المرافعات الختامية مكتوبة لأنه لم يعد ممكنا أن يملي المترافع ما يقوله لإثباته في محضر الجلسة حفاظا على وقت المحكمة ، ولأن مقتضى المرافعة الشفوية هو الاستماع إلى أقوال الخصوم وليس تدوين ما يملى في محضر الجلسة ، ولا يعد ذلك إخلالا بحق الدفاع.

          ومن ناحية أخرى فإن المرافعة الختامية هي حق للخصوم وليست واجبا عليهم، وهي بذلك لا تتعلق بالنظام العام، فللخصم أن يبدي مرافعته الختامية شفويا أو كتابة ، كما أن له أن يكتفي بما ورد في لائحة دعواه أو لائحته الجوابية وأقواله خلال المحاكمة ، أو بما سبق أن أبداه أمام الهيئة السابقة للمحكمة أو في درجة التقاضي الأولى، ولا تملك المحكمة إلزامه بالترافع إذا لم يرغب في ذلك من تلقاء نفسه.

          ولما كانت الغاية من الاستماع للمرافعة الختامية إطلاع هيئة المحكمة على أسانيد الخصوم وأوجه دفاعهم ، فإن هذا الاستماع يكون مجديا ومحققا لغايته في الدعوى التي يمكن للمحكمة أن تحكم فيها في نفس الجلسة ، إذ تظل الأسانيد وأوجه الدفاع في ذاكرة هيئة المحكمة طالما أنها اتجهت إلى النطق بالحكم عقب انتهاء المرافعة، لكن إذا قررت المحكمة رفع الجلسة للنطق بالحكم في جلسة أخرى تالية فإن المرافعة المكتوبة تكون أجدى وأنفع للمحكمة وللخصوم أنفسهم، حتى إذا اختلت هيئة المحكمة للمداولة وكتابة الحكم وجدت طلبات الخصوم ودفوعهم وأوجه دفاعهم والأسانيد الواقعية والقانونية في مذكراتهم فلا يفوتها شيء منها، ولا يغني في هذا المقام سماع مرافعة شفوية في وقت سابق على المداولة.

          لذلك نرى أن نص المادة 170 يكون واجب التطبيق في حال طلب الخصوم أن تكون مرافعاتهم الختامية شفوية ، إذ يتعين على المحكمة في هذه الحالة إجابة طلبهم والاستماع إلى أقوالهم ولا يجوز لها مقاطعة الخصوم أو تكليفهم بالإيجاز طالما انصرفت المرافعة إلى الأسانيد القانونية وتطبيقها على الواقع في الدعوى ، ما لم يخرجوا عن الموضوع بالتكلم في مسألة لا تنتج في حسم النزاع، ويكون من حقها في هذه الحالة عدم السماح لهم بتقديم مرافعات ختامية مكتوبة إذ ليس من حقهم الجمع بين المرافعة الشفوية والمرافعة المكتوبة ما لم تر المحكمة التصريح لهم بذلك.

          وفي هذه الحالة أي طلب الخصوم أن تكون المرافعات الختامية شفوية، إذا تبدلت هيئة المحكمة التي سمعت المرافعة الختامية كان للخصم الذي طلب سماع مرافعته وحرمته المحكمة من ذلك أن يتمسك ببطلان الحكم لما في ذلك من إخلال بحقه في الدفاع، ولكن ليس للمحكمة المطعون أمامها أن تثير هذه المسألة من تلقاء نفسها لعدم تعلقها بالنظام العام .

أما إذا تقدم الخصوم بمرافعات ختامية مكتوبة ، فلا حاجة لتقديم مرافعات مكتوبة مرة أخرى إلا إذا رأت الهيئة الجديدة ضرورة ذلك، ولا جدوى من أن يسجل الخصوم في محضر الجلسة أنهم يكررون أقوالهم ومرافعاتهم السابقة كما جرى عليه العمل في المحاكم ، ولا يترتب البطلان على إغفال تسجيل ذلك في محضر المحاكمة.(1)  وننبه هنا إلى أن القول بضرورة سماع الهيئة لمرافعات الخصوم شفويا في حال تبدل الهيئة الحاكمة، يعني بالضرورة أن على هيئة المحكمة أن تسمع المرافعات شفويا في جميع الأحوال ، بمعنى أنه إذا قدم الخصوم مرافعات مكتوبة دون تلاوتها شفويا على مسامع هيئة المحكمة فإن الحكم يكون باطلا أيضا ولو لم تتبدل الهيئة الحاكمة التي قدمت لها المرافعات المكتوبة ، أما إذا دون في المحضر أن المرافعات المكتوبة قد ضمت للملف بعد تلاوتها دون أن تتلى فعلا فإن ذلك يعد تزويرا في محضر رسمي. وفي ذلك إغراق في الشكلية لا ضرورة له ما دامت هيئة المحكمة قد تداولت في الحكم واطلعت على المرافعات المكتوبة .


(1) د. أحمد المليجي ج3 ط4 ص 720 .

(1) د. أحمد أبو الوفا، نظرية الأحكام، ص 95  .

(1) نقض مدني 42/2003 تاريخ 29/1/2003، مجموعة المبادئ القانونية لمحكمة النقض  جزء 2 صفحة 224، نقض مدني 29/2004 تاريخ 12/4/2004، نقض مدني 49/2004 تاريخ 14/4/2004، نقض مدني 37/2004 تاريخ 20/4/2004 ، نقض مدني 13/2005 تاريخ 22/3/2005، نقض مدني 27/2005 تاريخ 6/4/2005، نقض مدني 59/2005 تاريخ 2/10/2005، نقض مدني 189/2005 تاريخ 14/6/2006 ، الجزء الأول صفحة 445-482 . نقض مدني 71/2007 تاريخ 25/5/2008، نقض مدني 109/2007 تاريخ 14/7/2008، نقض مدني 13/2008 تاريخ 30/12/2008 الجزء الرابع صفحة 259- 273. وهناك أحكام أخرى واردة في الجزء الثالث ص 284.

(1) الرأي المخالف في نقض مدني 13/2008 تاريخ 30/12/2008. بينما نصت المادة 167 من قانون المرافعات المصري على البطلان صراحة بقولها: لا يجوز أن يشترك في المداولة غير القضاة الذين سمعوا المرافعة وإلا كان الحكم باطلا . أما المادة 159 من قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية رقم 24 لسنة 1988 الأردني فقد نصت على أنه : تكون المداولة في الأحكام سرية ، ولا يجوز أن يشترك فيها غير قضاة الحكم . وهذا النص أكثر دقة من نص المادة 167 الفلسطيني.